الغزالي
185
إحياء علوم الدين
إذ قال * ( ولكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) * « 1 » وهذا في عيب هو غافل عنه . فأما ما علمت أنه يعلمه من نفسه فإنما هو مقهور عليه من طبعه ، فلا ينبغي أن يكشف فيه ستره إن كان يخفيه ، وإن كان يظهره فلا بد من التلطف في النصح ، بالتعريض مرة ، وبالتصريح أخرى ، إلى حد لا يؤدى إلى الإيحاش . فإن علمت أن النصح غير مؤثر فيه ، وأنه مضطر من طبعه إلى الإصرار عليه فالسكوت عنه أولى . وهذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه أو دنياه أما ما يتعلق بتقصيره في حقك ، فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح ، والتعامي عنه . والتعرض لذلك ليس من النصح في شيء . نعم إن كان بحيث يؤدى استمراره عليه إلى القطيعة ، فالعتاب في السر خير من القطيعة . والتعريض به خير من التصريح . والمكاتبة خير من المشافهة . والاحتمال خير من الكل . إذ ينبغي أن يكون قصدك من أخيك إصلاح نفسك بمراعاتك إياه ، وقيامك بحقه ، واحتمالك تقصيره ، لا الاستعانة به ، والاسترفاق منه . قال أبو بكر الكتاني : صحبني رجل وكان على قلبي ثقيلا ، فوهبت له يوما شيئا على أن يزول ما في قلبي ، فلم يزل . فأخذت بيده يوما إلى البيت ، وقلت له ضع رجلك على خدي ، فأبى فقلت لا بد ، ففعل . فزال ذلك من قلبي . وقال أبو علي الرباطي : صحبت عبد الله الرازي ، وكان يدخل البادية ، فقال علي أن تكون أنت الأمير أو أنا ، فقلت بل أنت . فقال وعليك الطاعة ؟ فقلت نعم فأخذ مخلاة ووضع فيها الزاد ، وحملها على ظهره ، فإذا قلت له أعطني ، قال ألست قلت أنت الأمير ؟ فعليك الطاعة . فأخذنا المطر ليلة ، فوقف على رأسي إلى الصباح وعليه كساء ، وأنا جالس يمنع عنى المطر . فكنت أقول مع نفسي ، ليتني مت ولم أقل أنت الأمير . الحق الخامس العفو عن الزلات والهفوات . وهفوة الصديق لا تخلو إمّا أن تكون في دينه بارتكاب معصية ، أو في حقك بتقصيره في الأخوة أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية . والإصرار عليها ، فعليك التلطف في نصحه بما يقوم أوده ، ويجمع شمله ، ويعيد إلى الصلاح
--> « 1 » الأعراف : 79